|
السويد بلد السموركوص ، بالكاف الأعجمية، بلا منازع! فما هو السموركوص وما حكايته؟
كلمة سمور تعني الزبدة بينما تعني كلمة كوص الوزة. والحقيقة أن أحداً لا يعرف ما العلاقة بين الكلمتين. ولكن الكلمتين مجتمعتين تعنيان وجبة من الطعام بسيطة جداً هي عبارة عن قطعة خبز، غالباً خبز شعير، عليها طبقة خفيفة من الزبدة أو شريحة بسيطة من الجبنة زائداً شريحة أو شريحتين من الخيار أو الفلفل الأخضر أو الأحمر أو الأصفر، كما في الصورة.

سمور گوص

سمور گوص
ولهذا الوجبة شعبية غير طبيعية بين السويديين رجالاً ونساءاً وأطفالاً. فبرغم أن السويدي لديه قدرة شرائية قل نظيرها في العالم وبإمكانه أن يأكل ما يشاء ومتى يشاء وفي أي مطعم يشاء، فإنه لا يشبع مهما أكل ولا يسد معدته إلا السموركوص. أمر غريب فعلاً! سألت العديد من السويديين، ومنهم باحثون اجتماعيون وأكاديميون وانثروبولوجيين عن هذه الظاهرة. يبتسمون ويقرون بهذه الظاهرة لكن أحداً منهم لا يعرف سراً لها. وهي ظاهرة تشبه إلى حد كبير ظاهرة عراقية، وهي عشق العراقيين للخبز، فالعراقي لا تسد معدته أي وجبة إلا إذا كان معها خبز. يأكل الخبز حتى مع الرز والبرغل.
وقد غصت في أعماق التاريخ الإجتماعي للسويد بحثاً عن سر لهذه الظاهرة فاهتديت فعلاً إلى السر. وقد شرحت السر للعديد من أصدقائي السويدييين فوافقني معظهم عليه.
والسر هو ان الشعب السويدي عاش على السموركوص لأربعة قرون. لم يكن عموم الشعب السويدي يتناول إلا السموركوص وما ماثله من وجبات فقيرة. والسبب هو أن الشعب السويدي ومنذ القرن السادس عشر كان يعيش حياة مدقعة الفقر. كان هناك ثلاثي يحكم البلد، هو ثالوث البلاط والنبلاء ورجال الدين الكبار. هؤلاء كانوا يملكون كل شئ كل شئ. كانوا يملكون المزارع والمعامل والبيوت والأرض وكل شئ. أما ما تبقى من الشعب السويدي فلم يكن يملك شيئاً. في الريف مثلاً كانت العوائل تسكن في سقائف أشبه ما تكون بزرائب الحيوانات. كانت كل ثلاثمائة عائلة تسكن في سقيفة (بنكلة) وتعمل كل النهار في الحقل، رجالاً ونساءاً وأطفالاً. وكانت أجورهم عبارة عن وجبات من السموركوص والخضراوات والفواكه. أما اللحم فكان محرماً عليهم. ومن يضبط متلبساً وهو يأكل لحمة يحكم عليه رجال الدين بالصلب أو الحرق. وقد قرأت قصصاً من تلك الفترة لا يتحملها حتى فلم هندي.
وكانوا كلما ضاقت بهم الحياة واحتجوا يجمعهم رجال الدين ويخطبون فيهم خطباً عصماء وما تيسر من آيات مخدرات، مثل " طوبى للفقراء في الدنيا فهم في الآخرة في نعيم" إلخ. وكانوا يقنعونهم بأن الفقر هو إرادة الله ومشيئته وأن من يعترض على إرادة الله فهو كافر يستحق الصلب. وكانوا يبشرونهم بنعيم الآخرة ويحملونهم منة أن الله قد اختارهم فقراء في الحياة الدنيا لكي يكونوا أغنياء في الآخرة، وما الحياة الدنيا إلا زائلة بينما الآخرة دار الخلود.
أما في المدن فكان الناس أفضل حالاً بقليل. حيث كانت العائلة المتكونة من عشرة إلى اثني عشر عضواً تسكن في غرفة واحدة هي كل شئ، يعني غرفة نوم واستقبال ومطبخ ومرافق صحية. وبعض العمارات كانت فيها مرافق صحية مشتركة لكل العمارة. يستثنى من ذلك طبعاً الطبقة الوسطى، أي اصحاب المعامل واصحاب رؤوس الأموال الصغيرة، تلك هي الطبقة البرجوازية التي كان بمقدورها إرسال أطفالها إلى مدارس خاصة.
وقد ساد هذا الحال حتى نهاية القرن التاسع عشر. وخلال القرن التاسع عشر وحده هاجر أكثر من نصف سكان السويد آنذاك، أي مليون ونصف المليون نسمة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أن عدد السويديين في مدينة شيكاغو وحدها كان ضعف عدد السويديين في ستكهولم.

جانب من هجرة السويديين في نهاية القرن التاسع عشر
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت أولى بوادر الثورة السويدية على شكل تجمعات نقابية من العمال الحرفيين وعمال الطباعة والغابات. وبدعم من الطبقة البرجوازية ورجال الدين الصغار بدأت حركة شعبية كبيرة تتبلور على شكل احتجاجات واعتصامات وإضرابات. وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر بدأت تلك الحركات تتبلور على شكل أحزاب سياسية كان أهمها وأكبرها الحزب الديموقراطي الإشتراكي الذي قاد البلد فيما بعد إلى نهضة صناعية واجتماعية وتعليمية كبرى. وهو نفس الحزب الذي استمر في حكم السويد عبر الإنتخابات حتى يومنا هذا. ومن أهم وأشهر قادته السيد ييلمر برانتلنغ ، والسيد أولوف بالمه الذي وصل السويد في عصره في السبعينات والثمانينات إلى مصاف الدول الراقية.
لقد أدرك السويديون منذ بداية القرن التاسع عشر أن الحروب لا تجلب إلا الدمار. فكانت آخر حرب خاضوها ضد النرويج عام 1814. وقد استغل السويديون هذا الإستقرار الطويل لكي يبنوا بلدهم طابوقة طابوقة مع التأكيد على العدالة الإجتماعية والتعليم والصحة والصناعة والزراعة. وفي حين كان العالم كله منشغلاً بحروبه المدمرة كان السويديون يبنون ويبنون. حتى هتلر احتل الدول الإسكندنافية ووصل إلى النرويج لكنه لم يحتل السويد.
وقد استفاد السويديون من مصادرهم الطبيعية واستغلوها أفضل استغلال. ومن أهم مصادر الدخل القومي للسويد الغابات الشاسعة، حيث أكثر من سبعين بالمائة من مساحة السويد مغطاة بالغابات ( مساحة السويد تساوي مساحة العراق والكويت)، ولدى السويد 300 ألف بحيرة و 100 ألف نهر، منها 2500 نهراً بحجم شط العرب. وبالإضافة إلى الغابات فهناك الحديد والسمنت السويديان، وهما من أجود الأنواع في العالم. وما عدا المصادر الطبيعية فالبلد يتمتع ببنية صناعية لا ينافسها فيها إلا الألمان. ومن أهم صناعات السويد المشهورة في العالم صناعة السيارات ( فولفو وسكانيا وساب)، وصناعة الطائرات الحربية وكذلك المعدات الحربية المتطورة والقطارات والكاميرات (هسلبلاد) ومنها كاميرات التجسس الصغيرة وكاميرات الأقمار الصناعية، والمعدات الطبية المتطورة وكذلك البولبرينات الراقية SKF. واالسويديون هم أول من ابتكر البولبرينات في العالم في بداية القرن التاسع عشر. وفي العراق تعتبر هذه البولبرينات نادرة جداً وغالية جداً إلا أنها " مع العمر" كما اعتاد الميكانيكيون ( الفيترجية) أن يصفوها. وبالمناسبة فإن معمل بولبرينات SKFيبعد عن بيتي مسافة عشر دقائق.

جانب من معمل SKF
ومرة كنت في زيارة للمعمل مع مدرستي، حيث شاهدت العجب. رأيت بولبرينات مجهرية وأخرى بحجم الغرفة أو أكبر. وحدث أن سألت السيدة التي كانت تقود الجولة عن رغبتي في أن أصدر بولبريناتهم إلى العراق، ففرحت جداً وكأنها غير مصدقة أن بولبريناتهم معروفة حتى في العراق. ثم أخذتني إلى قسم التسويق وعرفتني على المدير الذي عقد معي اجتماعاً. وقد فهمت منه أن بضاعتهم كلها محجوزة لمدة 12 عاماً مسبقاً وأن علي أن أنتظر كل هذه السنين. فحمدت الله أنني كنت أمزح معهم ولم أكن جاداً.
كل هذا والسويديون يحنون إلى السموركوص!
إن لله في خلقه لشؤوناً.
طلال عبد الرحمن
22.4.2012
الكاتب: طلال عبدالرحمن
|